![]()
لم تكن قصتي مع ا لحب كقصة قيس بن الملوح مع ليلى العامرية أو كحب روميو
لجو ليت ...ولكنها قصة توغلت في صلب الواقع...واتخذت من الفؤاد مكانا قصيا
و أقسمت ألا تبرحه إلا مع فراق ا لروح للجسد.
أن قصتي هـذه....(قصة ناسك في معبد الحب), هي قصة تعبر عن حب شيدته الدموع, و بنته الآلام, وليست هي بأقل من قصص هؤلاء الذين ذاقوا مرارة الحب و تلوعوا بلوعته.
الإهداء
إلي كل عاشق و محب..تجرع مصاب الحب, و خاب في مسعاه.
و إلي كل من ينبض قلبه بنبضات الحب أهدي قصتي, راجيا أن تكون له سلوة و عزاء.
فتقبلها مني أيها المحب الملتاع, و لنكن أنا وأنت صنوين في العذاب.
و ها أنا أضعها بين يديك مؤملا أن تنصفني حيث لم ينصفني القـدر.....
و لعلي في تنسكي و تبتلي لم أجاوز القـدر, ولم أتعد أحد...
و لا زلت ممتثلا لحكم الله و قضائه, طاويا حنايا صـدري وراء قلبي و حر لهيبه..
عبدالله باخشــوين ( 1984 )
أيها القاري...لا يغرنك من البعض جمود أو قسوة و لا يخدعنك منهم إذعان بالسيطرة علي النفس أو بالسخرية من الحب و ليس للهوى عليهم من سبيل....لو كانت تلك القلوب التي يزعمون قد قدت من حجارة , و مسها الهوى بمسه السحري الشفاف لألانها لينا و لسرت فيها تيار الحياة التي يبثها ما يجيش فيها المشاعر التي تتسمع نبضاتها و صرخاتها و تتلمس فيها بنفسك لوعتها . لقد كنت واحدا منهم..ساخرا بالحب ..مستهزأ بالمحبين و كنت أظني في حصن حصين لا يصل اليّ فيه سهام الحب و نباله .
حتى كان يوم..بدل له ما شاء له الله أن يبدل, و أن يطرح من جفوني هنيء نومها.... كان هذا اليوم يوم خميس من أحد أيام الشتاء البارد وتكاد الشمس تستحي أن تخرج من مكمنها و تلف نفسها في حلل من السحاب الرمادي الكثيف , و ما لبثت السماء أن بدأت تفتح وابلا من الرذاذ أعقبه المطر يهطل مدرارا حتى خيل إلي أن السماء تبكي و تذرف الدمع الثخين .
و أن هي إلا هنيهة حتى أفرغت السحب ما عندها من مطر, و راحت الشمس تداعب السحب الداكنة حينا أو تراودها عن نفسها حينا آخر حتى أفلحت في زحزحتها و أحدثت لنفسها فرجة تطل منها علي أديم الأرض , ثم راحت أشعتها الذهبية الصافية يفتر ثغرها عن أعذب ابتسامة أنارت صفحة السماء بعد طول عبوس و تقطيب وراحت الفرحة تتسلل الى قلبي مما غمر الكون من دفء و شاركتني فيها الطيور التي خرجت من أوكارها مغردة .... تنشـد الكون أنشودة الحياة و الحب.
و ما أن سرى تيار الدف في جسدي حتى بادرت الى مصا ريع نافدة حجرتي المواجهة للشمس, فانسابت منها إلى داخلها فياضات تلو الفيوضات من الحنان الإلهي علي كائناته في الأرض.... ورحت امدد جسدي تحت حرارة هذه الشمس الناعسة الدافئة حتى انساب الخدر في كل جوارحي... و عندئذ انساب إلى سمعي صوت مصا ريع إحدى النوافذ بالجوار يفتح بالمثل, فحدث نفسي أن لعل هناك من شاركني الشعور الذي أحسسته منذ فترة وراح يفك عن نفسه آثار البرد و القر و يبادر إلى التمتع بدفء الشمس في ذلك الصباح المبكر...
و لم يكن من عادتي الفضول..... أو تحسس أخبار الآخرين, و لو كان يوما عاديا ما عنيت حتى و لا فكرت في مجرد استطلاع من يحاول فتح نافذة الجيران ..و لكنه القدر يفعل بنا الأفاعيل...فكان أن التففت بوجهي لفتة يسيرة ربما تسمح لي برؤٌية ما أود أن أراه بدون أن يظن بي الضنون ... و ما أن فعلتها حتى تسمرت عينأي على النافذة... و خيل إلي أن قمر الليالي استبدل مكانه و بزغ في و ضح النهار مشاركا الشمس بهجتها و نشوتها فقد صافحت عيوني و جها صبوحا ليس كمثله القمر في ليالي التم, و أول ما طالعتني عينان نجلاوان وكأنهما السهام في أكف المحاربين الأشداء, و أحسست وخز نصا لهما يطعن موضع القلب مني... و لم أعد أدري أحي أنا أم مع الأموات. و قد افتر ثغرها عن ابتسامة هادئة نضدت عن أسنان في لون اللؤلؤ و نصاعة بياضه , و يحمل هذا الوجه جسدا لا يشكو سمنة و لا نحافة ....وراحت صاحبته تمد رأسها الذي يكلله إكليل من الشعر الأسود الداكن يمت بصلة قربي إلي الليل الداجن البهيم , وراحت تطوح ذلك الرأس يمنة و يسرة في دلال و بهاء. ......
وبعد هنيهة تلاقت أعيننا و تسمرنا كلانا لا نحير جوابا حتى انفرجت شفتي أخيرا عن تمتمات خيل إلي كما خيل إليها أنها تحية الصباح , فبادلتني تحيتي بحياء و سرعان ما انسلت عائدة إلى داخل حجرتها كما ينساب العبير مع الهواء .....و تسمرت عينأي على نافذتها , و أصبح كل همي أن أنعم بكل برؤية طيفها , و أن اسرح في جمالها نظري , و بت صريع النا فذة أقضي عندها الساعات الطوال و أحيانا كان يغلبني النوم في وقفتي فأنم برؤية طيفها و خيالها في منامي و دائما كنت أراها .......كما رأيتها أول مرة من النافذة المقابلة لنافذتي ....فتتملكني الدهشة تماما , فأشم عبق زهرة تفتحت و قد بللها الندى .... و طلع عليها النهار ...فاستدارت بوجهها المشرق الباسم لتبتسم لفجر جديد .
وبات فؤادي بها مشغولا ... يرفل قلبي في حلل السعادة إذا ما لاح لي في الخيال طيفها ...وبت نادما على ما مضى من حياتي هباء منثورا لم أستعذب فيها مثل ذلك الشعور .. فتبا للحرمان .
أنصرمت علي الليالي أناجيها بغير حديث ... و يرف قلبي لرؤيتها ...و أعتدت أن يدور بيني و بينها في خيالي الكسيح حوارا من طرف واحد....و دائما أتخيلها معي نتجاذب أطراف الحديث ...... و أبثها نجوا يا ..و ظللت أتقلب على جمرات النار ...أعاني الصبابة و الجوى ..و أتجرح و حدي كاسات الهوى .... حتى نحل مني العود ...و انكرني الأهل و الصحاب .. و تغيرت عاداتي .. ورحت أميل الى الوحدة و قراءة الأشعار وروايات حب دبجتها أقلام أدباء من الشرق و الغرب ... فصرت أسيرا لمنوعات سيدة كوكب الشرق أم كلثوم و التي أحس بأنها تخاطب وجداني.
و بعد قرابة الأيام العشر من عذاب الجوى , و كنت لا زلت واقفا في مكاني المحبب و الذي صار مني في منزلة المحراب من المعبد ..... و إذا بي أسمع صوت النافذة يفتح من جديد , و لدهشتي الشديدة وجدت معبودتي تقف قصادي و تبدو عليها سيماء الحيرة و الوجل الشديدين... فما أشبه اليوم بالبارحة ..... و قبل أن أبادرها بالتحية عاجلتني بقولها : بالله عليك يا أخي !!! أدركني ..... أن خالتي في حالة من الربو الشديد , و ليس بالمنزل أحدا معنا سوى إخوتي الصغار , فأرجوك أستدعي لها الطبيب !! .
و في أسرع من لمح البرق كنت أدس نفسي في ملابسي .... و رحت أهرول الي بيت الحكيم , و عدت و الطبيب الي بيت ملاكي ..و أصدقوني القول كم كنت قلقا علي صحة خالتها .. و كيف لا... و قد امتلا قلبي حبا و حنان وباتت الدنيا ضاحكتا لي ... و أصبحت أري الجمال يتمثل في كل صغيرة و كبيرة.
و بعد انتهاء الحكيم من مهمته, اصطحبته الي داره, ثم عرجت الي احدى الصيدليات و ابتعت الدواء لخالتي .. و عدت الي منزل ملاكي بالدواء و قلبي مليْ بالفرحة و السعادة لعلي أهون من وجدي بسماع بضع كلمات تكون لي البلسم الشافي .
فأطرقت الباب ... ففتحت لي ..فوقفت مشدوها عاجزا عن الكلام اذ كانت صورتها عن قرب كصورة حور عين اذا ما أطلت من السماء على الارض . وتفوق في جمالها ما كنت أراه علي بعد المسافة بين نافذتينا ... فسلمتها الدواء .. فاذا بها تحاول د فع قيمة الدواء و أجرة الحكيم ... ولكنني لم ادعها تفعل .
و عند قرابة المساء رأيت النافذة تفتح .. و يبزغ منها القمر ليضيء لي حياتي .... فكنت سباقا لابادرها التحية و الســؤال عن صحة خالتها , فطمأنتني عنها .... و تلك المرة لم تبادر بالفرار و لكنها تعمدت الوقوف .... فأنتهزت الفرصة لسـؤالها عن اسمها .... فاخبرتني .. و لم اكن اعرف أنها تعرف اسمي ...فقالت لي أنت فلان الست كذالك ؟... فقلت : و كيف عرفتي اسمي و لم يسبق لي أن أعرف اسمك من قبل ؟ فقالت : عن طريق احدي صديقاتي اللاتي كنت تدرسهن اللغة الانجليزية.... و كانت توصفك بالعبقري لأنك أمتهنت التدريس قبل تخرجك... فشكرت لها ملاطفة صديقتها مع انني لا اعرف من هي صديقتها .
فبداء التعارف بيننا للمرة الأولى ... و بدأت أحس بتيار الحب يسري في كياني و يغمرني بشعور من الخدر لم أعهده من قبل .. فأحسست انه ينقلني من حياة الهناء و السرور الي حياة الكدر و الهموم أو بالعكس .
ثم آن اوان انصرافها الي الداخل , ففارقتها و لم اكد أود , فأحسست أنه نشأت بيننا صداقة عابره ربما تفتح الباب الي حب حقيقي .... و للحب شأن غير شأن الصداقة , و له كذا شعور غير شعورها , و أحاسيس غير أحاسيسها تماما كما تشعر الفتاة بتغير في جميع أحوالها الجسدية و النفسية اذا ما بدأة بذرة الجنين تنمو في أحشائها , كذلك الرجل اذا ما أحب .... يشعر بتغيير في حالتة النفسية , و يزداد تغيره كلما أحس بدبيب الحب في قلبه .
ربما كان ذلك الشعور هو دليلي الوحيد على أنني قد غرقت في بحر الحب..... الحب الذي كنت بالأمس ملحدا به و ناكره . .. في البداية كنت أجهل حقيقة الحالة التي أعترتني و طرأت عليّ .... و لم أكد أفهم من نفسي سوى أني قلقا و مكدّر المزاج ... لا يستقر بي المقام , و لا يقر لي قرار , و لا آنس بالناس أنسي القديم .... و لا أجد السلوة في الجلوس مع أسرتي ... و لم يعد ذهابي الي مدرستي يجلب اليّ الراحة التي أجدها من قبل عنده .... و أمعنت في مكنون سري عن البشر كآفة و عن أسرتي خاصة حتى أقرب الناس الىّ صديقي ( خضر ) ... الا أن خضر كان واحدا من الناس الذين يعرفون ربما بالغريزة .... وكم كنت أتعذب بهذا الشعور العذب .... وكم تمنيت أن ابوح بسري للناس لعلهم يهونوا علي من مصاب .. و باختصار القول حدس خضر سري و أشار اليه , فبحت له بمكنون ما أخفيته عن العالمين ...
و بات خضر لي ناصحا الاّ أتعلل بالآمال القصار , و ألاّ أشيد قصورا علي الرمال ... و أنه ينبغي عليّ ألاّ أهمل دروسي و أنا على أعتاب الامتحانات .
و لكن هيهات ان النصيحة مع العشاق لا تجدي .. و لا تزيد العشاق الا لوعة و اصرارا.
هذا وكنت أفيق من نومي صباحا و أهرع الي مكاني المقدس علني أراها و أنعم بذلك اليوم, و كم خابت آمالي في بعض الأيام التي لا أراها , وكم تعذبت كثيرا و لا يعلم معانتي الا الله سبحانه و تعالي .
و في ذات صباح مشمش جميل خرجت من مبكرا كعادتي في طريقي الي المدرسة اذا بي أراها واقفةعلي استحياء عند باب بيتها ... فسلمت عليّ , فحييتها باحسن ما أعرف من تحية ... و جاوبتني بعذب ابتسامة و أردفت قائلة : لقد رأيت النور متدفقا من حجرتك البارحة حتي ساعة متأخرة من الليل , أكنت مسهدا ؟ ... فأجبت : .. بين هذا و ذاك .., على كل حال فالامتحانات على الابواب .. و لابد من مضاعفة الجهد .
فكم تمنيت ان تعرف سبب سهدي و أرقي , و كم تمنيت ان أبوح لها بحبي .. و لكن ......
فقالت : وفقك الله يا أخي , و حقق لك ما تصبو اليه نفسك .... فشكرت لها و أنصرفت فرحا محبور غير مبالي بتأخيري عن المدرســــة .
و في المدرسة كنت حاضرا بجسدي فقط , أما عقلي فقد كان غائبا هناك بالقرب من دار الحبيب ... و كم شعرت بوطأة الدرس .. و كلما تصفحت كتابا رأيت طيفها بين أسطره ... و كلما قرأت سطرا تخيلت كلماتها العذبة مما تزيدني في الحب الأ تبارى .... و بعد فترة خلتها دهرا أنتهيت من دروسي و عدت الي منزلي أو على الاصح نافذتي طائرا بأجنحة الشوق و الحنين .... و أصدقوني القول, كم كان الحظ حليفي ذلك اليوم السعيد , لقد و جدتها مرة أخرى تقف علي بابها , و كأننا على موعد بدون ميعاد , او كانها تشاركني نفس الاحساس .... فبادرتني بسـؤالها : أراك عدت مبكرا , و ليس من عادتك الاوبة في مثل هذا الوقت , أهناك مشكلة ؟ فكأنها تترقب لي الروحة و الجية فأجبت كلا , و لكن لدي الكثير من الدروس أريد مراجعتها , بدلا من الليل , فأجابت : خير ما تفعل يا أخي ,, على الاقل تستطيع النوم مبكرا و تحصل على قسطا من الراحة يعوض عنك سهر البارحة . فقلت لها : لا أجد راحتي في النوم , فأنني بحاجة الي تغير جو المنزل والترويح عن نفسي و لو بالخروج مع أصدقاي ... فقاطعتني الكلام , أتحب الذهاب الي السينما ؟ فأجبت , اذا كان هناك ما يستحق المشاهدة ,.. فقالت , أنا أود الذهاب الى السينما , و لكن أخـشي الخروج لوحدي , فما رأيك نخرج ســويا ؟ فلم أصدق أذنيّ , و ظننت نفسي بحلم اليقضة , أو كما تعودت مناجاتها في و حدتي و خلوتي , فتمالكت نفسي و قلت لها و لكن كيف ؟؟؟......... فبادرتني فهمت ..فهمت , أن خالتي لا ترفض لي طلبا و خاصة اذا أخبرتها أنك سترافقني الي السينما ... فمنذ ذلك اليوم ( اليوم الذي أستدعيت لها الطبيب ) و هي توصفك بالخلق الحسن , و الشاب المثالي , و كم كانت تنوي زيارتكم و التعرف على اسرتك و بالأخص و الدتك .. و لكن رجليها لا تحملها على المشي .. فقلت لها : ربنا يعطيها الصحة و العافية ..و الواجب علينا نحن أن نزوركم اولا ... على كل حال أتستأذني منها ..و سوف أنتظرك في الساعة السابعة مساء .
فدلفت الى منزلي غير مصدق بسنوح تلك الفرصة التي ما كنت أظنها تتحقق و لا في الاحلام .
رباه ..كم انت كريم يارب ... لقد كان ذلك اليوم أسعـد الايام في عمري , و كان اليوم الوحيد الذي ذقت فيه السعادة في عمري , رغم أيام كثرة مرت بحياتي تحمل لي كثيرا من الذكريات الحلوة ... و لا أستطيع أن أوصف لك أيها القاري انتظاري لحلول الموعد ...الموعد الذي يفتح لي أبواب السعادة و يجمعني بمن سكن طيفها خيالي
و
ما أن قارب الموعد المضروب حتي هرعت اليها فوجدتها و خالتها علي الباب
ينتظرانني , فسلمت عليهما , فدعتني خالتها لشرب فنجان من القهوة , فستجبت لها و
دخلت لاول مرة بيت الجيران أو بيت حبيبتي ان صح التعبير ... فكم كانت حبيبتي
رفيعة الذوق في اختيار هدومها . و كان بيتهم متواضعا نضيفا , حاله حال بيوت
ضيعتنا الجميلة التي لا اري لها في الكون بديلا ... فكنت سارح البال و التفكير
, كنت احلم و انا في اليقضة , و أصحى و انا في المنام , أو كما وصف حالتي الشاعر
((( نهاري نهار الناس حتى اذا * جن علي الليل هـزتني اليك المضاجع ))) .

فا نتابني شـعـور من الخدر اللذيذ يسري في كياني كمس من الكهرباء أشعـل النار في عروقي ... و أسـري في جسدي تيارا من النشـوة يفوق ما سبق ان احسست به عند مصافحتها للوهلة الاولى .. و لكنه يفوقه بآلاف المرات دفئا و حنانا , و رقة . و دارت بينا أكفينا لغة من الحوار يزيده الشوق و اللهفة حرارة و عذوبة .. و التفت اليها هامسا : هل يروق لك موضوع الفيلم ؟ فقالت : لا بأس به .
فكررت : ما رأيك لو غادرنا السينيما ؟ .. قالت : الى أين ؟ قلت ؟ الى مكان آخر نتحدث فيه قليلا ... ألديك مانع ؟
قالت : لا أبدا ... هيا بنا .
و انسللنا من مقعدينا خارجين , و قد أعترانى خجل شديد , و خيل اليّ ان الناس يحملقون فينا بأعينهم .
و ابتلعـنا جوف الليل و قادتنا قدمانا الى شاطيّ البحر .... و كان الماء صافيا رقراقا , و السماء صافية تنتثر من صفحاتها الكواكب و النجوم التي انعكست على أديم البحر المستكن .. حتى كاد الامر يختلط علينا أهي بأعلى أم باتت دون أقدامنا ... وراحت اقدامنا تسير بنا على غير اتفاق .... و طوال تلك المدة لم تنطق شفتانا بحرف .... و كأن هـدأة الليل قد سرى سكونها الى أفئدتنا فملأ ما بين جوانحنا , و عقل ألسنتنا رهبة و اجلالا.... و آنئذ كنت أحس خفة متبدية في جسدي و روحي معا , و صفاء نفس صور اليّ انني لو شئت الطيران و التحليق عاليا لفعلتهما بلا جناحين
و ملت اليها أسألها : يا ترى أتشعرين بالسعادة التي أشعر بها الان ؟ ... فقالت : لن تصدقني اذا قلت لك انني أشعر بالغبطة و أنت معي الان , و أشعر كأني فراشة ترفرف بجناحيها فوق الورود و الزهور ... ولكنني أخشى زوال هذه السعادة التي أنا فيها الان . .... فوجتها فرصة لاصارحها حبي فقلت لها : هل لك أن نعيش ســويا و نتعاهد على الحب و الوفاء .
و تعاهدنا .... و رحنا نتبادل الحوار و الحديث .... و كان الكلام ينساب بيننا كما ينساب النهر من منبعه الي مصبه سلسا ... حتي بدون أن نشعر أننا نتكلف الحديث , و كان الوقت يمر بنا سراعا , بل كنا نمر به و لا أخاله يمر بنا, و كأن عقرب الدقائق لم يعد له حساب في زمننا ولم يعد له من وجود
ثم آن أوان الرجوع الى البيت ... و الليل يكاد يشمر أذياله استعدادا للفرار من وجه النهار . و أفترقنا على موعد جديد و تبادلنا تحية المساء و الصباح معا و انصرفنا لحال سبيلينا .
و حتى تلك الليلة كنت اشعر كما لو كان قلبي قلبا وحيدا في صحراء قاحلة ... لا يعرف فيها غيره من القلوب يحيا حياة موغلة في الوحشة و النفور , لا يعرف أن بجواره قلوب ... أو هو يعرفها و لكنه ينكرها ... فلما مسته شفافية الحب رسى على واحة الامان ... و جد فيها قلبا نابضا يؤنسه و يبدد فيها ظلام حياته المقفرة .... و يحل محل كل ذلك من اللذة و الراحة و الغبطة ما لو وزع على قلوب العالمين جميعا ما خالطها الحزن و لا الهم .. و لا أصابها كمد و لا حسد .
فقد أشرقت في سماء حياتي شمس الحب الساطعة المنيرة , و حلّت السكينة محل القلق و الأسى .... و نامت جفوني على هدهدة الأحلام السعيدة و تطاير حمائمها حولي كما تتطاير الحمامات فوق المروج الخضراء.
و تعددت لقاءات الهوى العذري البريّ التي لم تزدنا الا ارتباطا و حبا و مودة
عزيزي القاري التكملة ستتم قريبا ان شاء الله , فاذا و جدت خطاء مطبعيا أو لغويا فلا تتردد في الابلاغ عنه ... فملاحظاتك تهمنى جدا .

